الشيخ أحمد بن محمد القسطلانى

536

المواهب اللدنية بالمنح المحمدية

تقول عليه بعض الأقاويل ، بل لا بد أن يجعله عبرة لعباده ، كما جرت بذلك سننه في المتقولين عليه . وقال تعالى : أَمْ يَقُولُونَ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً فَإِنْ يَشَإِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلى قَلْبِكَ « 1 » هاهنا انتهى جواب الشرط . ثم أخبر خبرا جازما غير معلق بأنه يمحو الباطل ويحق الحق . وقال تعالى : وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قالُوا ما أَنْزَلَ اللَّهُ عَلى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ « 2 » ، فأخبر أن من نفى عنه الإرسال والكلام لم يقدره حق قدره ، ولا عرفه كما ينبغي ولا عظمه كما يستحق ، فكيف من ظن أن اللّه ينصر الكاذب المفترى عليه ، ويؤيده ويظهر على يديه الآيات والأدلة ؟ وهذا في القرآن كثير يستدل تعالى بكماله المقدس وأوصافه وجلاله على صدق رسوله ، وعلى وعده ووعيده ، ويدعو عباده إلى ذلك . وقال تعالى لمن طلب آية تدل على صدق رسوله : أَ وَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ يُتْلى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ( 51 ) قُلْ كَفى بِاللَّهِ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ شَهِيداً يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالَّذِينَ آمَنُوا بِالْباطِلِ وَكَفَرُوا بِاللَّهِ أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ « 3 » ، فأخبر سبحانه أن الكتاب الذي أنزله يكفى من كل آية ، ففيه الحجة والدلالة على أنه من اللّه ، وأن اللّه سبحانه أرسل به رسوله ، وفيه بيان ما يوجب لمن اتبعه السعادة ، وينجيه من العذاب . ثم قال : قُلْ كَفى بِاللَّهِ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ شَهِيداً يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ « 4 » فإذا كان سبحانه عالما بجميع الأشياء كانت شهادته أصدق شهادة وأعدلها ، فإنها شهادة بعلم تام محيد بالمشهود به ، وهو سبحانه وتعالى يذكر علمه عند شهادته وقدرته ، وملكه عند مجازاته ، وحكمته عند خلقه ، وأمره ورحمته عند ذكر إرسال رسله ، وحلمه عند ذنوب عباده . فتأمل ورود أسمائه الحسنى

--> ( 1 ) سورة الشورى : 24 . ( 2 ) سورة الأنعام : 91 . ( 3 ) سورة العنكبوت : 51 ، 52 . ( 4 ) سورة العنكبوت : 52 .